منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > المنبر الحر > المنبر الحر
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 11-07-2018, 07:28 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

الاقتصاد الاسلامي

الدرس الأول: الاقتصاد الاسلامي


تمهيد

لم تكن المشكلة الإقتصادية يوماً، مشكلة قائمة بذاتها، ومنفصلة عن المشكلة الإنسانية العامة، فقد كانت المشكلة الإنسانية والإجتماعية منذ أمد بعيد، حين تشكلت الجماعة، تتمثل في تحديد النظام الإجتماعي الأمثل للإنسان والذي يصل بواسطته إلى الطمأنينة والسعادة الحقيقية ويرتقي من خلاله نحو الأفضل.

وقد سعى الإنسان بكل جهد وطاقة وبما يملك من قوة العقل والتفكير لإقامة هذا النظام الإجتماعي الأمثل، وكان الثمن باهظاً في معظم المراحل التاريخية رغم الخبرات المكتسبة والمتزايدة لتجاربه الاجتماعية، ولم يصل إلى الهدف المنشود لولا نور النبوة والوحي الإلهي الذي أضاء طريق البشرية بين الحين والاخر.

والمشكلة الإقتصادية للإنسان تشكل جزءاً من هذه المشكلة الإنسانية العامة، إذ الإقتصاد يمثل جانباً من شؤون حياة الإنسان لا كلها. غير أن تحديد هوية وحقيقة هذه المشكلة كانت ولا زالت نقطة اختلاف الأفكار والاراء.

فالرأسماية تعتبر أن المشكلة الإقتصادية هي قلة الموارد الطبيعية نسبياً، نظراً إلى محدودية الطبيعة نفسها والتي لا تفي بالحاجات المادية الحياتية للإنسان، التي تبدو في تزايد مستمر، فتنشأ المشكلة حول كيفية التوفيق بين الإمكانات الطبيعية المحدودة والحاجات الإنسانية المتزايدة، والنظام الذي يكفل هذا التوفيق، في حين أن الماركسية تؤمن بأن المشكلة الإقتصادية تتمثل بالتناقض المستمر بين الشكل والنظام الذي يتم به



7



الانتاج في المجتمع وبين نظام التوزيع الذي هو النظام الإجتماعي والذي بواسطته يتم تقسيم وتوزيع الثروات المنتجة، في حين أن المفروض أن يتطور النظام الإجتماعي (نظام التوزيع) مع كل تطور يحصل في نظام الإنتاج. ومن هنا تطرح الماركسية الحل بإلغاء التناقض بين الشكلين وإحلال التوافق بينهما فتزول المشكلة.

وأما الإسلام فإنه يكشف عن حقيقة المشكلة بنحو اخر، وبخلاف ما تطرحه الرأسمالية والماركسية أو غيرهما، فالمشكلة لا تكمن في قلة الموارد الطبيعية حتى لا تكون قادرة على الوفاء بالحاجات الإنسانية المتزايدة، ولا في التناقض بين نظامي الإنتاج والتوزيع، وإنما في الإنسان نفسه ومع الحقيقة التي يكشف عنها القران الكريم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الذي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخّرَ لَكُمْ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخّرَ لَكُمْ الأنْهَارَ وَسَخّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دَائِبَينِ وَسَخّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ والنَّهَارَ * وَأَتَاكُمْ مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾1.

فهو تعالى، بعد ما ذكر التسخير الشامل للكون بين يدي الانسان وصفه بوصفين: الظلم والكفر، وقد ذكر المفسرون أن الظلم هنا هو منع الحق والإسراف والتبذير ونحوه، والكفر هو ترك الشكر على هذه النعم.

ويعلق السيد الشهيد الصدر قدس سره قائلاً: "فظلم الإنسان في حياته العملية وكفرانه بالنعمة الإلهية هما السببان الأساسيان للمشكلة الإقتصادية في حياة الإنسان، ويتجسد ظلم الإنسان على الصعيد الإقتصادي في سوء التوزيع ويتجسّد كفرانه بالنعمة في إهماله لاستثمار الطبيعة وموقفه السلبي منها".

ماذا نعني بالإقتصاد الإسلامي؟

هناك فرق بين المذهب الإقتصادي وعلم الإقتصاد، وهذا التمييز الذي يتيح فهم عنوان الإقتصاد الإسلامي وما المقصود به.

فالمذهب الإقتصادي هو الذي يقدم الطريقة المثلى من وجهة نظره لتنظيم الحياة



8



الإقتصادية على ضوء مجموعة من المفاهيم العامة والتشريعات للوصول الى العدالة المنشودة، وعلى هذا الأساس، فإن وظيفة المذهب هي تقييم وتغيير الواقع، وأما علم الإقتصاد فهو يبحث في الواقع الإقتصادي القائم ليكشف عما يجري فيه، فيحدد قوانينه والعلاقات الاقتصادية القائمة والظواهر وأسبابها، سواء كانت طبيعية كظاهرة تناقص الغلة، أو اجتماعية كظاهرة انخفاض الأسعار.

ويمكن أن يبدأ العلم الإقتصادي من فرضيات فكرية ومذهبية معينة لتوقع سلسلة الأحداث الاقتصادية المترتبة عليها، والاتجاه الاقتصادي العام.

ومن هنا يفهم، أن العلم الاقتصادي يأتي في مرحلة متأخرة عن المذهب الإقتصادي سواء كان قائماً في الواقع أم لا.

وبناءاً على ما تقدم، يتضح أن المقصود بالاقتصاد الإسلامي هو المذهب الاقتصادي وأما علم الاقتصاد الاسلامي فإنه وإن كان من الممكن تشكله في زمن غياب التطبيق الاجتماعي الشامل للإسلام، إلاّ أن نتائجه لن تكون دقيقة، وبالتالي فإننا نحتاج إلى واقع اقتصادي محسوس تجري فيه تجميع الوقائع ودراستها وملاحقات العلاقات القائمة بينها بشكل علمي وموضوعي دقيق لإستنتاج القوانين التي تحكمها. والأمل معقود على تجربة الجمهورية الاسلامية في إيران التي تسعى في هذا السبيل لإقامة المجتمع الاسلامي المعاصر.



9







أسئلة حول الدرس

1- كيف ترى الرأسمالية المشكلة الاقتصادية؟
2- ما هي رؤية الماركسية للمشكلة الاقتصادية؟
3- أوضح نظرة الاسلام الى المشكلة الاقتصادية واذكر الشاهد القراني؟
4- ما هو الفرق بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد.




للمطالعة


حينما أخذ العالم الإسلامي ينفتح على حياة الانسان الأوروبي ويذعن لإمامته الفكرية وقيادته لموكب الحضارة بدلاً عن إيمانه برسالته الأصيلة وقيمومتها على الحياة البشرية بدأ يدرك دوره في الحياة ضمن اطار التقسيم التقليدي لبلاد العالم، الذي درج عليه الانسان الأوروبي حين قسَّم العالم على أساس المستوى الاقتصادي للبلد وقدرته المنتجة الى بلاد راقية اقتصادياً وبلاد فقيرة أو متخلفة اقتصادياً وكانت بلاد العالم الإسلامي كلها من القسم الثاني الذي كان يجب عليه في منطق الانسان الأوروبي أن يعترف بإمامة البلاد الراقية ويفسح المجال لها لكي تنفث روحها فيه وتخطط له طريق الارتفاع.

وهكذا دشَّن العالم الاسلامي حياته مع الحضارة الغربية بوصفه مجموعة من البلاد الفقيرة اقتصادياً ووعي مشكلته على أساس أنها هي التخلف الاقتصادي عن مستوى البلاد المتقدمة الذي أتاح لها تقدمها الاقتصادي زعامة العالم ولقنته تلك البلاد المتقدمة أن الأسلوب الوحيد للتغلب على هذه المشكلة والالتحاق بركب البلاد المتقدمة هو اتخاذ حياة الانسان الأوروبي تجربة رائدة وقائدة وترسم خطوات هذه التجربة لبناء اقتصاد كامل شامل قادر على الارتفاع بالبلاد الاسلامية المتخلفة الى مستوى الشعوب الأوروبية الحديثة.

وقد عبَّرت التبعية في العالم الاسلامي لتجربة الانسان الأوروبي الرائد للحضارة الحديثة عن نفسها بأشكال ثلاثة مترتبة زمنياً ولا تزال هذه الأشكال الثلاثة متعاصرة في أجزاء مختلفة من العالم الاسلامي.

الأول: التبعية السياسية التي تمثلت في ممارسة الشعوب الأوروبية الراقية اقتصادياً حكم الشعوب المتخلفة بصورة مباشرة.

الثاني: التبعية الاقتصادية التي رافقت قيام كيانات حكومية مستقلة من الناحية السياسية في البلاد المتخلفة وعبرت عن نفسها في فسح المجال للاقتصاد الأوروبي لكي يلعب على مسرح تلك البلاد بأشكال مختلفة ويستثمر موادها الأولية ويملأ فراغاتها برؤوس أموال أجنبية ويحتكر عدداً من مرافق الحياة الاقتصادية فيها بحجة تمرين أبناء البلاد المتخلفين على تحمل أعباء التطوير الاقتصادي لبلادهم.

الثالث: التبعية في المنهج التي مارستها تجارب عديدة في داخل العالم الاسلامي حاولت أن تستقل سياسياً وتتخلص من سيطرة الاقتصاد الأوروبي اقتصادياً وأخذت تفكر في الاعتماد على قدرتها الذاتية في تطوير اقتصادها والتغلب على تخلفها غير أنها لم تستطع أن تخرج في فهمها لطبيعة المشكلة التي يجسدها تخلفها الاقتصادي عن اطار الفهم الأوروبي لها فوجدت نفسها مدعوة لاختيار نفس المنهج الذي سلكه الانسان الأوروبي في بنائه الشامخ لاقتصاده الحديث.


(اقتصادنا8-9)





هوامش

1- ابراهيم:32-35.






يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 11-07-2018, 07:28 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثاني: مزايا الاقتصاد الاسلامي



يتصف الاقتصاد الاسلامي بمزايا أساسية ثلاثة يمكن ملاحظتها من خلال الكثير من التفاصيل والغايات والوسائل التي تأتي في سياق منهجه لمعالجة الموضوع الاقتصادي وهي:

أولاً: الواقعية

فعلى خلاف العديد من المذاهب الاقتصادية التي تنزع نحو المثالية التي تصل أحياناً الى حد الخيال في غاياتها وأهدافها، كمحاولة الشيوعية إلغاء غريزة الأنانية المركوزة في جبلة الانسان لإقامة مجتمع إنساني جديد لا مكان فيه للتملك، فإن الاقتصاد الاسلامي واقعي في أهدافه وغاياته وفي الوسائل الموصلة إليها، فيلحظ الطبيعة الإنسانية ونوازعها وحاجاتها ويستهدف تحقيقها بأفضل السبل وأيسرها، وبعين هذه الواقعية يحول تشريعاته إلى ضمانات للتنفيذ وتحقيق الأهداف.

فمثلاً حينما يريد الإسلام التوزيع العادل للثروة بين أفراد الأمة فإنه لا يعمل على حرمان الأغنياء من ملكياتهم ومصادرتها ( التأميم) وإنما يقدم التشريعات المالية التي تساهم بمجموعها في تحقيق هذا الهدف كتحريم المعاملات الربوية وفرض الخمس والزكاة والكفارات المالية المختلفة ويحث على الانفاق في وجوه الخير ويربط ذلك بالثواب الأخروي ثم يحرم تملك الأرض بدون إحياء ويمنع الاحتكار، وفوق ذلك كله



13



يعطي ولي الأمر صلاحية الإشراف والتدخل في السوق والنواحي الأخرى إذا لزم الأمر. وهو بذلك في نفس الوقت يحدد عملياً معنى الحرية الإقتصادية.

ثانياً: الأخلاقية

إن الاقتصاد الاسلامي يعكس في منهجه القيم الأخلاقية التي يدعو إليها الدين والمتعلقة بالسلوك البشري، فهو إقتصاد أخلاقي بالدرجة الأولى يهتم بالروح بدرجة لا تقل عن إهتمامه بالواقع الموضوعي الخارجي لإقتصاد المجتمع. وهذا ينسجم تماماً مع تشخيصه للمشكلة الاقتصادية كما تقدم.

ففي المثال السابق حينما يريد الاسلام التوزيع العادل للثروة فإنه يسعى ليكون ذلك عن طريق الدافع الذاتي لدى الانسان الطالب لرضا المولى عز وجل، لا بالقوة والإكراه إلاّ في الحدود الضرورية التي لا بدّ منها. لأن الهدف ليس تحقيق الموضوع الخارج كيفما كان وإنما عبر إحياء القيم الأخلاقية والتوجهات النبيلة في المجتمع.

ولا بد من الالتفات الى أن هذا يمثل عامل قوة على المستوى الاقتصادي اليوم نظراً لأهمية العامل النفسي والسلوك المالي والاقتصادي للفرد والجماعة في حصول الأزمات ومواجهتها في الاقتصاديات المعاصرة.

ثالثاً: ربط المصالح الاجتماعية بالدوافع الذاتية

إن أهم المشكلات التي تعترض المذهب الاقتصادي، أياً كان لونه هو في كيفية التوفيق بين المصلحة الاجتماعية الناشئة من علاقة الانسان بالاخرين، وبين دوافعه الذاتية لتحقيقها، للتناقض القائم بينهما في الكثير من الأحيان إذ غالباً ما تتعارض هذه المصالح الاجتماعية مع مصالحه الخاصة الفردية، فينطلق الانسان بقوة هذه الدوافع الذاتية ليعارض كل مصلحة اجتماعية إذا كانت تنتقص من مصلحته الشخصية.

وهنا تبرز أهم ميزة الاقتصاد الاسلامي بوصفه جزءاً من رؤية سماوية كاملة للحياة وهي وجوده ضمن إطار ديني عام يدخر له عوامل التأثير الإيجابي لتحقيق التوافق بين المصالح الاجتماعية والدوافع الذاتية للإنسان.



14



فالعقيدة التوحيدية والمفاهيم العامة عن الحياة والكون والعواطف والأحاسيس التي تزخر بها البيئة الاسلامية، مضافاً الى التشريع الديني للمجالات المالية والاجتماعية والسياسية والجزائية وغيرها، كل ذلك يوفر للاقتصاد الاسلامي مجالاً اجتماعياً حياً ومتفاعلاً مع القيم التي ينشدها والأهداف التي يسعى إليها.

وهذا يعني بالضرورة الربط بين المصالح الاجتماعية والدوافع الذاتية للانسان بأروع صورة حيث تدخل كل مصلحة إجتماعية في مصلحته الدينية ليضيفها الى رصيده الدنيوي أو الأخروي وهناك كثرة في الشواهد القرانية والحديثية على هذا الربط.

فيقول تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابَ﴾1.

ويقول تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾2.

ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ بأَنَّهُم لاَ يُصيبهُم ظَمَأٌ وَلاَ نَصبٌ وَلاَ مُخْمَصَةٌ فِي سَبيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُون موطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدوٍّ نَّيلاً إلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالحٌ إنَّ اللَّهَ لاَ يَضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنينَ وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وادِياً إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجزِيَهُمُ اللَّهُ أحسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾3.

وهذا يؤكد حقيقة أن الرسالة الإلهية والدين وحده القادر على حل المشاكل الإنسانية. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدِينِ حَنِيفاً فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾4.



15








أسئلة حول الدرس



1- كيف تتجلى الواقعية في المذهب الاقتصادي الاسلامي؟
2- "المذهب الاقتصادي الاسلامي أخلاقي بالدرجة الأولى" اشرح ذلك؟
3- كيف ربط الاسلام بين المصالح العامة للأمة والدافع الذاتي عند الانسان؟






للمطالعة



ونستطيع بكل سهولة أن نتبين من خلال التاريخ التطبيقي للرأسمالية، جنايات هذه الحرية الرأسمالية، التي رفضت كل التحديدات الخلقية والروحية، واثارها الخطيرة: في مجرى الحياة الاقتصادية أولاً، وفي المحتوى الروحي للمجتمع ثانياً، وفي علاقات المجتمع الرأسمالي بغيره من المجتمعات ثالثاً حتى عاد الرأسماليون أنفسهم يؤمنون بحاجة الرأسمالية إلى التعديل والتحديد، ويحاولون شيئاً من الترقيع والترميم، للتخلص من تلك الاثار أو إخفائها عن الأبصار، وأصبحت الرأسمالية في صيغتها المذهبية الكاملة مذهباً تاريخياً، أكثر من كونه مذهباً يعيش في واقع الحياة.

أما في مجرى الحياة الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي: فليست الحرية الرأسمالية المطلقة إلاّ سلاحاً جاهزاً بيد الأقوياء يشق لهم الطريق، ويعبد أمامهم سبيل المجد والثروة على جماجم الاخرين، لأن الناس ما داموا متفاوتين في حظوظهم من المواهب الفكرية والجسدية والفرص الطبيعية... فمن الضروري أن يختلفوا في أسلوب الاستفادة من الحرية الاقتصادية الكاملة التي يوفرها المذهب الرأسمالي لهم، وفي درجات هذه الاستفادة، ويؤدي هذا الاختلاف المحتوم بين القوي والضعيف، إلى أن تصبح الحرية التعبير القانوني عن حق القوي في كل شي‏ء، بينما لا تعني بالنسبة الى غيره شيئاً، ولما كانت الحرية الرأسمالية لا تقر بالرقابة مهما كان لونها فسوف يفقد الثانويون في معركة الحياة كل ضمان لوجودهم وكرامتهم، ويظلون في رحمة منافسين أقوياء لا يعرفون لحرياتهم حدوداً من القيم الروحية والخلقية، ولا يدخلون في حسابهم إلاّ مصالحهم الخاصة.

وقد بلغ من هدر الكرامة الانسانية، نتيجة لهذه الحرية الرأسمالية أن بات الانسان نفسه سلعة خاضعة لقوانين العرض والطلب، وأصبحت الحياة الانسانية رهن هذه القوانين، وبالتالي رهن القانون الحديدي للأجور.

(اقتصادنا 259-260)






هوامش



1- غافر:40.
2- ال عمران:169.
3- التوبة:120-121.
4- الروم:30.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 11-07-2018, 07:30 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثالث: المبادى‏ء العامة للإقتصاد الإسلامي 1



يقوم الاقتصاد الإسلامي على مبادى‏ء عامة أساسية تمثل أركانه وخطوطه العريضة التي تميزه عن باقي المذاهب الاقتصادية الأخرى.

أولاً: مبدأ الملكية المزدوجة

لا شك أن ملكية الانسان للأشياء هي ملكية إعتبارية لأن المالك الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى يتصرف فيها كيف يشاء إيجاباً وإعداماً وتغييراً وأعطاءً ومنعاً وغير ذلك من أنحاء التصرفات، لأن المالكية الحقيقية هي من شؤون الخالقية، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مُلكُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَي‏ءٍ قَدِيرٌ﴾1.

ولذا عبر القران الكريم عما بيد الانسان بالاستخلاف تارة كما في قوله تعالى: ﴿امِنُوا بَاللَّهِ وَرَسُولِه وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه﴾2.

وبالاستعمار أخرى كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ واستَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾3.

وبالإيتاء منه تعالى ثالثة: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا أَتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسَاً إلاَّ مَا أَتَاهَا﴾4. ومسألة التملك احتلت حيزاً هاماً في المذهب الاقتصادي عموماً.



19



فالرأسمالية تقرر الملكية الفردية ( الخاصة) كمبدأ وقاعدة عامة للتملك في حين أن الملكية العامة استثناء تفرضه الضرورات الاجتماعية.

وأما الاشتراكية فتلتزم بالملكية العامة كأصل في هذا المجال ولا تعترف بالملكية الخاصة إلاّ في ظروف اجتماعية قاهرة واستثنائية.

وأما مذهب الاقتصادي الاسلامي فيتميز عن كلا المذهبين السابقين بإقراره لمبدأ الملكية المزدوجة الذي يعني الملكية بأشكال متعددة ثلاثة هي: الملكية الخاصة وملكية الدولة وملكية العامة، دون أن يعني ذلك مزجاً بين الرأسمالية والاشتراكية، بل على أساس رؤية فكرية أصلية ومستقلة سابقة عليهما، لها مفاهيمها وتشريعاتها الخاصة.

والملكية الخاصة هي: اختصاص الفرد بمال معين بنحو يمنع غيره من الانتفاع به.

وملكية الدولة تعني: تملك المنصب الإلهي في الدولة الاسلامية لمال معين فيعود لولي الأمر حق التصرف في رقبة المال وفقاً للمصالح المسؤولة عنها كالمعادن والنفط.

وأما الملكية العامة فهي: تملك الأمة لمال من الأموال كالأرض العامرة المفتوحة بالجهاد والبحار والأنهار الطبيعية ونحوها.

وقد أثبتت التجربة صحة هذا المبدأ حينما اضطرت الرأسمالية أن تأخذ بفكرة التأميم لبعض المرافق وتمارس تدخلاً واسعاً في الملكية، كما واضطرت الاشتراكية الى إقرار الملكية الخاصة والاعتراف بها وتقنينها فسمحت مثلاً المادة التاسعة من دستور الإتحاد السوفياتي السابق للفلاحين والحرفيين بتملك مشاريع إقتصادية صغيرة إلى جانب النظام الاشتراكي المعمول به في هذه الميادين في حين أن الاقتصاد الاسلامي سالم من هذا التناقض.

ثانياً: مبدأ الحرية الاقتصادية المحدودة

إذا كان المذهب الرأسمالي يطلق حريات الأفراد في الميدان الاقتصادي على أوسع مدى وبدون تحديد، والمذهب الاشتراكي يقيد هذه الحرية الى حد الإلغاء، فإن الاقتصاد الاسلامي قد أعطى للأفراد حرية العمل الاقتصادي، بحدود القيم والضوابط الشرعية التي يدعو إليها إنسجاماً مع الأهداف الالهية في حياة الناس.



20



وينبع هذا التحديد من أمرين أساسيين:

الأول: التربية الروحية والمعنوية الخاصة التي يربي الاسلام الانسان عليها فيدفعه الى التسابق لفعل الخيرات والانفاق في وجوه الخير وفعل الإحسان، والتي تشكلت عامل قوة للمجتمع الإسلامي حتى مع فقد الحكومة الاسلامية الصحيحة.

والثاني: القاعدة الشرعية التي تنفي حرية الانسان في فعل المعصية وارتكاب الظلم في المجال الاقتصادي ولذا زخرت الكتب الفقهية بما يعرف ب( المكاسب المحرمة) كالربا والاحتكار والتكسب بالأعيان النجسة والأعمال المحرمة كالنحت والغناء وغيره.

ولضمان صيانة هذه الحرية الاقتصادية للأفراد بالضوابط الشرعية والاخلاقية من جهة، وحماية المصالح العامة للأمة من جهة أخرى كان لولي الأمر حق التدخل والإشراف على النشاط الاقتصادي بصفته السلطة الشرعية الأعلى في المجتمع.

قال تعالى: ﴿وأَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمرِ مِنْكُمْ﴾5، وسيأتي توضيحه عند الحديث عن مسؤولية الدولة.

ثالثاً: مبدأ العدالة الاجتماعية

لعل من نافل القول أن هذا المبدأ من المبادى‏ء الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الاسلامي إذ هو الهدف الأساسي الذي يسعى لتحقيقه ويقيم في نفس الوقت عليه بنيانه. قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾6. إلاّ أن الاسلام لم يقبل أن يبقيه في الدائرة التجريدية فيقع في محذور التفسير والتأويل المتناقض ويتعرض للتعطيل، بل حدد العدالة الاجتماعية بصورة عملية وتطبيقية من خلال تحقيق فكرتين أساسيتين هما: التكافل الاجتماعي (الضمان الاجتماعي) والتوازن الاجتماعي الذي يعني نفي الطبقية في المجتمع على صعيد المعيشة مع بقاء باب الإثراء مفتوحاً ضمن الحرية الاقتصادية المحدودة كما ذكرنا. وستتضح هذه الفكرة أكثر مع البحث عن مسؤوليات الحكومة الاسلامية أيضاً.



21








أسئلة حول الدرس



1- ما هي المبادى‏ء العامة للاقتصاد الاسلامي، عددها؟
2- ما معنى مبدأ الملكية المزدوجة في الاسلام؟
3- اشرح مبدأ الحرية الاقتصادية المحدودة؟
4- كيف يحقق الاسلام عملياً العدالة الاجتماعية؟






للمطالعة



لقد قاوم الاسلام النظرة الغائية الى الملكية النظرة إليها بما هي غاية لا بالتعديل من مفهومها وتجريدها عن امتيازاتها في غير مجالها الأصيل فحسب بل قام الى وصف ذلك بعمل إيجابي لمقاومة تلك النظرة، ففتح بين يدي الفرد المسلم أفقاً أرحب من المجال المحدود والمنطلق المادي العاجل، وخطاً أطول من الشوط القصير للملكية الخاصة الذي ينتهي بالموت، وبُشر المسلم بمكاسب من نوع اخر: أكثر بقاءً وأقوى إغراءً وأعظم نفعاً لمن امن بها وعلى أساس تلك المكاسب الأخروية الباقية قد تصبح الملكية الخاصة أحياناً حرماناً وخسارة إذا حالت دون الظفر بتلك المكاسب، كما قد يصبح التنازل عن الملكية عملية رابحة إذا أدَّت الى تعويض أضخم من مكاسب الحياة الاخرة، وواضح أن الايمان بهذا التعويض وبالمنطلق الأوسع والمدى الأربح للمكاسب والأرباح يقوم بدور ايجابي كبير في إظفاء البواعث الأنانية للملكية وتطوير النظرة الغائية الى نظرة طريقية. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِن شَي‏ءٍ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾7، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهُ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفِّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾8، ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مَنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّه﴾9، ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾10، ﴿وَمَا يَفْعَلُوا من خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفرُوه واللَّهُ عَلِيمٌ بالمُتَّقِين﴾11.






هوامش



1- الحديد:2.
2- طه:6.
3- الحديد:7.
4- هود:61.
5- الطلاق:7.
6- النساء:59.
7- النحل:90.
8- سبأ:39.
9- البقرة:272.
10- البقرة:110.
11- ال عمران:30.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 11-07-2018, 07:31 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الرابع: المبادى‏ء العامة للاقتصاد الاسلامي 2



رابعاً: مبدأ العمل أساس الملكية والحقوق الاقتصادية

لقد مجّد الاسلام العمل وعظّمه واعتبره عزاً للإنسان المؤمن وأنزله منزلة الجهاد في سبيل الله وأدرجه في جملة العبادات بل وفضّله على كثير منها بقول الامام أبو الحسن الرضا عليه السلام: "أغد إلى عزك، أعني السوق".

وعن النبي صلى الله عليه وآله أيضاً: "العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال"، ولذا كانت نظرة الاسلام الى الثروة والعمل إيجابية باعتباره عنصر قوة في حياة الانسان على طريق تحقيقه لأهدافه الكبيرة وصولاً إلى سعادة الاخرة.

قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: "نعم العون على تقوى الله الغنى"، فانسجاماً مع هذه النظرة للعمل تأسس المبدأ الذي يعطي المشروعية للتملك أو للحق الاقتصادي في الاقتصاد الاسلامي.

فهناك نوعان من الأعمال:

الأول: هو الانتفاع والاستثمار وهو يشكل نشاطاً اقتصادياً ومصدراً للحقوق الخاصة.

والثاني: هو الاحتكار والاستئثار الذي لا يمثل مبرراً للحق وإنما يعتمد على القوة فقط دون أن يكون منتجاً ونافعاً ولذا لا قيمة له.

وعلى هذا الأساس كانت النظرية الاسلامية في استغلال المصادر الطبيعية والتي تقول: "إن العامل يملك نتيجة عمله التي يوجدها بجده وطاقته في الطبيعة".



25



إلاّ أن هذا الحق في التملك يختلف باختلاف النتائج المترتبة على عمله إذ هي على نوعين:

الأول: العمل نتيجة العمل المبذول في المواد الخام وهي الفرصة العامة للإنتفاع بالثروة وبنتيجة تملكه لتلك الفرصة ليكون له الحق في نفس المال كإحياء منجم أو عين ماء أو الصيد ونحوه. فإذا إنعدمت الفرصة التي أوجدها سقط هذا الحق.

الثاني: نتيجة العمل المسؤول في ثروة طبيعية موجودة منذ البدء كإحياء الأرض الميتة فإن العمل هنا لا يوجد الأرض وإنما يوجد فرصة للإنتفاع بها لم تكن موجودة من قبل وهذا ما يعطيه حقاً يمنع الاخرين عن مزاحمته فيها ما دام يواصل الاستفادة منها وهو ما يسمى ب"حق الأولوية". على أن هذا الحق إنما يثبت بشرطين هما: أن يكون العمل اقتصاياً، وأن يوجد هذا العمل فرصة جديدة يملكها العامل.

ومما سبق يعلم أن حيازة الثروات المنقولة من الحيوانات والمياه والأحجار وغير ذلك، بما هي عمل انتفاعي بالثروة الطبيعية، هو سبب أصيل مباشر لحق الفرد في تملك هذه الثروة التي حازها، هذا كله في المذهب الاقتصادي الإسلامي.

لكن المذهب الرأسمالي له موقف مختلف حيث يسمح لكل فرد بأن يتملك المصادر الطبيعية مستنداً في ذلك إلى مبدأ الحرية الاقتصادية التي يؤمن بها. ولذا يسمح للفرد أن يملك أية ثروة يتمكن من وضع يده عليها، ولو اعتماداً على القوة المالية المجردة، وبدون أي قيد أو حدّ إلاّ حرية التملك نفسها التي يمنحها للاخرين.

ويمكننا أن نتصور على ضوء ذلك الحالة التي عليها الواقع الاقتصادي الرأسمالي الذي لا تحكمه القيم الاخلاقية والضوابط الدينية من جهة، وتعطى فيه هذا النحو من الحرية في التملك الى أن تصطدم بحرية الاخر من جهة أخرى، لنتوقع بلا شك صراعاً عنيفاً بين القوى المختلفة ومشاريع السيطرة والاحتكار وما يترتب على ذلك من ظلم اجتماعي.

وأما الماركسية فهي أساساً لا تؤمن بحق التملك للفرد سواء في المصادر الطبيعية أو وسائل الانتاج، وتعتبر أن الملكية الخاصة قد أدت دورها في المراحل التاريخية السابقة وخصوصاً في المرحلة الرأسمالية الحديثة، وبالتالي لم يعد لها أي مبرر للوجود.



26



خامساً: مبدأ تنمية الانتاج

حثّ الاسلام على تنمية الثروة ودعا الى الاستثمار وتنمية الطاقات المادية والمعنوية والإستفادة منها، فقال تعالى: ﴿فَامشُوا فِي مَنَاكِبَهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾1.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: "من بنى بنياناً بغير ظلم ولا اعتداء كان له أجراً جارياً ما انتفع به أحد من خلق الرحمن".

ولا شك أن كل المذاهب الاقتصادية تلتزم هذا المبدأ لكنها تختلف في تبني الوسائل والأساليب لتحقيقه تبعاً للرؤية الفكرية الخاصة، فالاسلام لا يقبل الربا وسيلة للتنمية أو وضع اليد على الأرض بدون إحياء وغير ذلك كما أن الرأسمالية لا تقبل بالأساليب التنموية التي تمس الحرية الاقتصادية الفردية المطلقة.

وعلى هذا الأساس فإن المذهب الاقتصادي في الإسلام يستخدم نوعين من الوسائل للتنمية:

الأول: وسائل ترجع الى رؤية المذهب على المستوى الفكري والتشريعي كتعظيم العمل وربطه بالجانب العبادي من حياة المسلم، وكتحريم اكتناز النقود الذهبية والفضية والأعمال غير المنتجة كالسحر والشعوذة والقمار، وتشريع الضمان الاجتماعي.

الثاني: وسائل فنية بحتة لها علاقة بتفاصيل السياسة التي ترسمها بالدولة وكيفية تطبيقها كدراسة الشروط الموضوعية وعمليات الاحصاء والمسح الجغرافي والبشري والمادي... وتحليل الظواهر الاجتماعية وتحديد مستويات المعيشة..

ومما لا بد من التنبيه عليه أن الهدف من تنمية الانتاج في الاسلام هو أن ينتفع الانسان من خلال السيطرة عليه ليرقى في وجوده ويؤدي رسالته في إقامة العدل والكدح نحو الله تعالى، لا أن تكون تنمية الثروة لأجل ذاتها، فإنها تصبح حجاباً بين الانسان وربه وتعطِّل غاية وجوده وهي التي قال عنها الامام الصادق عليه السلام "أنها رأس كل خطيئة".



27








أسئلة حول الدرس



1- ميَّز الاسلام بين نوعين من العمل أحدهما غير مشروع، بيّن ذلك؟
2- ما هو موقف الرأسمالية من تملك المصادر الطبيعية والاثار المترتبة عليه؟
3- ما هي الوسائل التي يستخدمها المذهب الاقتصادي الاسلامي لتنمية الانتاج؟






للمطالعة



تعتبر الحاجة في نظر الشيوعية القائلة: إن من كل وفقاً لطاقته ولكل وفقاً لحاجته، وحدها هي المعيار الأساسي في توزيع الناتج على الأفراد العاملين في المجتمع فلا تسمح للعمل بإيجاد ملكية أوسع نطاقاً من حاجة العامل... بينما يعترف الاسلام بالعمل بوصفه أداة للتوزيع الى جانب الحاجة، ويسند إليه دوراً إيجاباً في هذا المضمار، وبذلك يفتح المجال في الحياة الاقتصادية لظهور كل الطاقات والمواهب ونموها، على أساس من التنافس والسباق، ويدفع الأفراد الموهوبين الى إنفاق كل إمكاناتهم في مضمار المدنية والاقتصاد وعلى العكس من ذلك الشيوعية، فإنها بإقامتها للتوزيع على أساس حاجة العامل وحدها دون نوعية عمله ونشاطه، تؤدي الى تجميد الدوافع الطبيعية في الانسان الباعثة على الجد والنشاط، فإن الذي يبعث الفرد على ذلك إنما هو في الحقيقة مصلحته الخاصة، فإذا جرد العمل عن وصفه أداة توزيع واتخذت الحاجة وحدها مقياساً لنصيب كل فرد، كما تصنع الشيوعية، كان في ذلك القضاء على أهم قوة دافعة بالجهاز الاقتصادي الى الأمام، ومحرّكة له في اتجاه متصاعد.

(اقتصادنا 336-337)






هوامش



1- ال عمران:115.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 11-07-2018, 07:32 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الخامس: مصادر الانتاج وموقف الإسلام



يذكر الباحثون في ( الاقتصاد السياسي) أن مصادر الانتاج ثلاثة هي:

الطبيعة ورأس المال والعمل بما يشمل الإدارة والتنظيم.

ويرى السيد الشهيد الصدر قدس سره أنه ينبغي استبعاد البحث في المصدرين الأخيرين لسبب بسيط هو أن تحديد الموقف ينبغي أن يلحظ المصدر الأول السابق على أي شكل من أشكال الانتاج، وبناءً عليه، فرأس المال يمثل ثروة سبق إنتاجها لتشكل مادة لإنتاج ثروة أخرى ولذا فهو يندرج ضمن الثروة المنتجة فيبحث الموقف منه في نظام التوزيع بعد الانتاج.

فأما العمل فهو عنصر معنوي، لا ثروة مادية تمتلك على نحو خاص أو عام.

فتبقى الطبيعة بصفتها المصدر الأول والأساس لكل إنتاج، وهي تشتمل على عناصر أربعة: الأرض والمواد الأولية والمياه الطبيعية والثروات الأخرى المختلفة.

أولاً: الأرض

قسم الفقهاء الأرض الى أربعة أقسام تتفق أحياناً وتختلف أخرى من حيث الأحكام وهي:

1- أرض الفتح وهي الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح والجهاد كأراضي الشام والعراق ومصر وإيران وغيرها، وهي على ثلاثة أنواع:

أ- الأرض العامرة بشرياً حين الفتح فقد أجمع علماء الامامية على أنها ملك عام



29



لكل المسلمين من وجد ومن سيوجد. رُوي عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: "لا تشتروا من الأرض السواد ( أي أرض العراق) شيئاً إلاّ من كانت له ذمة فإنما هو في‏ءٌ للمسلمين".

ب- الأرض الميتة حين الفتح وهي التي لم تكن عامرة حين دخولها في حوزة الاسلام لا طبيعياً ولا بشرياً فهي ملك للإمام عليه السلام، وباصطلاح العصر ملك الدولة الاسلامية لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ للَّهِ والرَّسُول﴾1 وجاء عن الامام الصادق عليه السلام أن الموات كلها هي له وهو قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ...﴾.

وقد سمحت الشريعة لأفراد المسلمين إحياء هذه الأرض وإعمارها وإستثمارها مما يفهم منه أن الأحياء يعطيهم حقاً خاصاً بهم. فقد جاء عن أهل البيت عليه السلام: "من أحيى أرضاً فهي له وهو أحق بها". لكن اختلف الفقهاء في طبيعة هذا الحق بين قائل بالملكية الخاصة وبين قائل بثبوت حق التصرف دون أن يمتلك المحي رقبة الأرض كما عن الشيخ الطوسي رحمهم الله. ويرى السيد الشهيد الصدر قدس سره أن الرأي الثاني أكثر إنسجاماً مع النصوص الشريفة بدليل أن المحي يتوجب عليه دفع أجرة الأرض للإمام، لما ورد عنهم عليه السلام "من أحيى أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها" أي أجرتها.

ج- الأرض العامرة طبيعياً حين الفتح كالغابات فإنها ملك الامام أي الدولة الاسلامية لقولهم عليه السلام: "كل أرض لا رب لها هي للامام". ويرى السيد الشهيد الصدر قدس سره أن الأرض العامرة طبيعياً هي ملك الدولة الاسلامية سواء كانت مفتوحة عنوة أم لا.

2- الأرض المسلمة دون جهاد، وهي التي أسلم أهلها طوعاً كأرض المدينة المنورة وأندونيسيا وغيرها. فما كان منها ميتاً فهو كسائر الموات يدخل في ملكية الدولة الاسلامية، وكذلك الأرض العامرة طبيعياً، وأما العامر منها بأهلها فهي لهم.

3- أرض الصلح، وهي الأرض التي غزاها المسلمون فلم يسلم أهلها لكنهم لم يقاوموا عسكرياً وقبلوا العيش في كنف الدولة الاسلامية مسالمين فتخضع الأرض لشروط الصلح معهم ولا يجوز مخالفتها، وأما الأرض الموات والعامرة طبيعياً فهي ملك الدولة الاسلامية كسائر الأراضي المماثلة.



30



4- أراضي الدولة الإسلامية الأخرى من قبيل الأرض التي باد أهلها أو التي استجدت بطمر السواحل أو بعض مجاري الأنهار، وكذلك الأراضي التي سلمها أهلها للدولة الاسلامية طوعاً، فهذا كله من الأنفال التي للإمام أي الدولة الاسلامية.

ويتضح من العرض السابق أن الملكية الخاصة للأرض قد وضعها الإسلام في إطار ضيق إلى أبعد الحدود، حتى أن بعض فقهاء الامامية كابن البراج وابن حمزة ذهبوا الى إنتقال الأرض المملوكة الى الدولة إذا أهملها أصحابها الأصليون ولم يستثمروها. ويبرر السيد الشهيد الصدر قدس سره ذلك بمبررين:

الأول: اقتصادي يعود الى ضرورة مساهمة الأرض في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحركة الانتاج في المجتمع.

والثاني: سياسي وهو أن إقرار ملكية الداخلين في الإسلام على أرضهم يحمل اعتباراً خاصاً لمصالح الرسالة واتساع حوزة الاسلام بدون عقبات كبيرة لكن ذلك ليس مطلقاً بل يرتبط هذا الإقرار بمدى إسهامهم في الحياة الاسلامية.

وإنطلاقاً من ذلك أبدى قدس سره محاولة فقهية هامة ومفادها أن المبدأ في الأرض هو ملكية الدولة الاسلامية والى جانبه حق الإحياء بدون إستثناء وهو ما يمكن من فهم قول الامام علي عليه السلام "والأرض كلها لنا فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها الى الامام".

ثانياً: المواد الأولية

تحظى الدولة الأولية باهتمام خاص في الأبحاث الاقتصادية سواء كانت علمية أو مذهبية، نظراً الى ما تمثله من قوة أساسية لإدارة عملية الانتاج في الحياة الاقتصادية، والمقصود بها المعادن.

ويقسم عادة الفقهاء المعدن الى قسمين: ظاهر وباطن.

فالمعدن ظاهر الظاهر هو الذي لا يحتاج الى جهد وعمل لإظهار معدنيته كالملح والنفط.

والمعدن الباطن هو الذي يحتاج الى جهد وعمل لإظهار معدنيته كالحديد والذهب.

والرأي الفقهي المعروف في المعدن الظاهر أنه من المشتركات فتدخل في الملكية العامة ويرجع الى ولي الأمر ( الدولة) تحديد استثماراتها بما يتفق مع المصالح العامة



31



للأمة، ولذا يمنع الأفراد والجماعات القيام بعمليات استثمارية للمعادن وإنما يسمح لهم بالحصول على حاجتهم دون تحديد لقدر الحاجة.

وأما المعادن الباطنة فهي على قسمين: المعادن الباطنة القريبة من سطح الأرض فحكمها كالمعادن الظاهرة، والمعادن الباطنة في أعماق الأرض التي تتطلب جهداً إضافياً في التفتيش عنها والحفر للوصول إليها.

والرأي السائد بين أكثر علماء الامامية أنها ملك الدولة وتحت نظر ولي الأمر لكونها من الأنفال فتملك بالكشف والحفر لأنها لون من ألوان الإحياء والحيازة لكن بحدود ذلك الحفر الذي اصطلحوا عليه ب( حريم المعدن). ولم يفرق الفقهاء بين الأرض العامة أو الخاصة( المملوكة)، لأن دليل الاحياء عندهم يختص بالأرض فلا يشمل ما تحويه من الثروات في الأعماق.

والنتيجة التي تظهر من العرض السابق فيما يتعلق بالمعادن أنها من الأملاك العامة.

ثالثاً: المياه الطبيعية

تنقسم المياه الطبيعية الى قسمين:

الأول: المياه الظاهرة على سطح الأرض كالأنهار والبحار والعيون الطبيعية ونحوها... وهذا القسم من المشتركات العامة بين الناس الذي يدخل في الملكية العامة، واستثني منها على الرأي المشهور بين الفقهاء المياه النابعة في الأرض الخاصة، وعن الرسول صلى الله عليه وآله: "إن الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلأ"، وعليه، فلا يملك شي‏ء من هذه المياه إلاّ بالعمل والحيازة.

الثاني: المياه الجوفية كمياه الابار، فإنها تملك بالعمل والحفر وما يتجدد منها دون نفس العين. ومع ذلك فلا يحق للمستخرج أن يبيع الزائد عن حاجته الى الاخرين لقول النبي صلى الله عليه وآله: "لا تبعه ولكن أعره جارك أو أخاك"، لأن المادة الزائدة عن حاجته لا تزال من المشتركات العامة.

رابعاً: الثروات الطبيعية الأخرى

والمقصود بها الطيور والمواشي والغابات والمراعي وسائر الثروات الطبيعية، وهي من المباحات العامة التي تملك بالعمل والحيازة.



32








أسئلة حول الدرس



1- "الطبيعة هي المصدر الأساسي للانتاج" اشرح ذلك.
2- اذكر الأقسام الرئيسية للأرض، وما هي الأرض الميتة حين الفتح؟
3- تحدَّث عن أرض الصلح وموقف الاسلام منها؟
4- ما المقصود من المواد الأولية؟ اذكر أقسامها وحكم كل قسم في الاسلام؟
5- جاء في الحديث الشريف "إن الناس شركاء في ثلاث: "الماء والنار والكلأ" استنبط موقف الاسلام تجاه المياه الطبيعية الظاهرة؟







للمطالعة



الحمى في الاسلام

( الحمى) مفهوم قديم عند العرب، يعبر عن المساحات الشاسعة من موات الأرض، يحتكرها الأفراد والأقوياء لأنفسهم، ولا يسمحون للاخرين بالاستفادة منها، ويعتبرونها وكل ما تضم من طاقات وثروات، ملكاً خالصاً لهم، بسبب استيلائهم عليها، وقدرتهم على منع الاخرين من الانتفاع بها، وقد جاء في كتاب الجواهر للمحقق النجفي: "أن هؤلاء كان من عادة أحدهم في الجاهلية، إذا انتجع بلداً مخصباً، أن يستعوي كلباً على جبل أو سهل، ثم يعلن تملكه لمجموع المساحة التي امتد إليها صوت الكلب من سائر الجهات، وحمايته لها من الاخرين، ولذلك يطلق عليها اسم: ( الحمى).

وقال الشافعي في كتابه بعد أن نقل بسنده عن الصعب أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "لا حمى إلاّ لله ورسوله" كان الرجل العزيز من العرب إذا انتجع بلداً مخصباً أوفى بكلب على جبل إن كان به أو نشز إن لم يكن جبل ثم اسعواه وأوقف له من يسمع منتهى صوته بالعواء فحيث بلغ صوته حماه من كل ناحية فيرعى مع العامة فيما سواه ويمنع هذا من غيره لضعفاء سائمته وما أراد قرنه معها فيرعى معها فترى أن قول رسول الله صلى الله عليه وآله: "ولا حمى إلاّ لله ورسوله لا حمى على هذا المعنى الخاص وإن قوله لله كل محمي وغيره ورسوله إن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما كان يحمي لصلاح عامة المسلمين لا لما يحمي له غيره من حاجة نفسه" ( الأم ج4، ص47). ومن الطبيعي أن ينكر الاسلام الحمى، لأن الحق الخاص فيه يقوم على أساس السيطرة، لا على أساس العمل، ولهذا لا يسمح بذلك لأحد من المسلمين وجاء النص يؤكد شجب هذا الأسلوب من التملك والاحتكار للمصادر الطبيعية، ويقول "لا حمى إلاّ لله ولرسوله". وورد في بعض الروايات "إن شخصاً سأل الامام الصادق عليه السلام عن الرجل المسلم، تكون له الضيعة، فيها جبل مما يباع، يأتيه أخوه المسلم، وله غنم، قد احتاج الى جبل، يحل له أن يبيعه الجبل، كما يبيع من غيره، أو يمنعه منه إن طلبه بغير ثمن، وكيف حاله فيه وما يأخذ؟ فقال: "لا يجوز له بيع جبله من أخيه".


( إقتصادنا 489-490)






هوامش



1- الملك:15.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 11-07-2018, 07:34 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس السادس: مسؤولية الدولة في الاقتصاد الاسلامي



تتحمل الدولة في المذهب الاقتصادي الاسلامي مسؤولية أساسية لحماية مصالح الأمة وتحقيق العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها من خلال التدخل والإشراف استناداً الى القاعدة الشرعية في قوله تعالى: ﴿... أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمرِ مِنْكُمْ﴾1.

ولقد شهدت السيرة النبوية الشريفة ألواناً من التدخل كما في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وآله من أنه قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل إنه لا يمنع نفع شي‏ء. وقضى بين أهل البادية إنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء. مع أن منع النفع ليس محرماً بصورة عامة في الشريعة المقدسة فيعلم أن المنع كان منه بصفته ولياً للأمر بشهادة التعبير ب( قضى) أي حكم.

وتدخل الدولة، وإن كان واحداً من مسؤولياتها إلاّ أننا سنركز على أمرين أساسيَيْن اخرين نظراً لإرتباط تدخل الدولة بولاية الأمر التي سيأتي توضيحها. وهذان الأمران هما: الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي.



35



أولاً: الضمان الاجتماعي

لا شك أن من مسؤوليات ومهام أية دولة ضمان معيشة أفراد المجتمع بصورة كافية من خلال وسيلتين رئيسيتين هما: إتاحة فرص العمل ووسائله اللازمة للناس، والتقديمات التي تكمل وتسد حاجاتهم:

ويعتمد مبدأ الضمان الاجتماعي في الاسلام على أساسين:

1- التكافل العام الذي يفرض على المسلمين كفالة بعضهم البعض، وهو واجب شرعي كسائر الواجبات الشرعية الأخرى التي يحرم مخالفتها ويكون للدولة الاسلامية حق إلزام المسلمين وحملهم على القيام بها بمقتضى الصلاحيات المخولة لها.

وقد جاء عن الامام الصادق عليه السلام: "أيما مؤمن منع مؤمناً شيئاً مما يحتاج إليه وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره، أقامه الله يوم القيامة مسوداً وجهه، مزرقة عيناه، مغلولة يداه الى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ثم يؤمر به الى النار".

ويفهم من الحديث الشريف أن المقصود بالحاجة أي الحاجة الشديدة كالطعام والشراب واللباس.

2- الحق العام في ثروة الدولة والذي يفرض عليها إعالة المحتاجين وكفايتهم.

فقد جاء في كتاب الامام علي عليه السلام إلى واليه على مصر: "ثم الله الله في الطبقة السفلى في الذين لا حيله لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمني فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسماً من بيت مالك" إلى أن يقول عليه السلام: "وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه".

وتشكل قطاعات الدولة بمواردها العامة وملكياتها مضافاً الى فريضتي الخمس والزكاة المصدر الأساسي لهذا الإنفاق. وقد أفتى بعض الفقهاء كالشيخ الحر العاملي قدس سره بشمول ضمان الدولة لغير المسلمين الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية.

وقد حدد القران الكريم وظيفة الفي‏ء ودوره الاقتصادي في المجتمع في قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿وَمَّا أفَاءَ اللَّهُ على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَنْ يَشاءُ واللَّهُ على كُلِّ شَي‏ءٍ قَدِيرٌ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلْرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى واليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وابنِ السَّبيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ



36



دولةَ بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾2. حيث تحدد ذيل الاية الكريمة الهدف من توزيع الفي‏ء وحق المجتمع فيه.


ثانياً: التوازن الاجتماعي

يرتبط التوازن الاجتماعي بقضية حساسة وحيوية هي قضية الأمن الاجتماعي في الدولة والقاضي بمكافحة الفوارق والتناقضات الاجتماعية الفادحة التي تقود المجتمع نحو الصراعات والانقسام.

وينطلق الاسلام في علاجه لهذه المسألة من حقيقتين هما:

1- الحقيقة التكوينية القائلة بأن الأفراد يتفاوتون في خصائصهم النفسية والفكرية والجسدية بقطع النظر عن الظروف المحيطة بهم من معوقات ومحفزات.

2- الحقيقة التشريعية التي تؤكد على أن العمل أساس التملك. وهاتان الحقيقتان تنتجان بالضرورة تفاوتاً بين الأفراد في الثروة.

ومن هنا، فإن التوازن الاجتماعي لا يعني توازناً بين أفراد المجتمع في مستوى الدخل وامتلاك الثروة، بل المطلوب التوازن في مستوى المعيشة الذي يقضي على التناقضات الفادحة التي نراها في المجتمعات الرأسمالية.

فمضافاً الى الضوابط الأخلاقية والشرعية في الانفاق كتحريم الاسراف والندب الى أعمال الخير والبر. يقوم ولي الأمر بتوجيه المال بالوجهة التي تحقق هذا التوازن في معيشة الناس كما جاء في حديث الامام الكاظم عليه السلام في أموال الزكاة "إن الوالي يأخذ المال فيوجهه الوجه الذي وجهه الله له على ثمانية أسهم، على الفقراء والمساكين ويقسمها بينهم بقدر ما يستغنون في سنتهم بلا ضيق ولا تقية. فإن فضل من ذلك شي‏ء رُدَّ الى الوالي. وإن نقص من ذلك شي‏ء ولم يكتفوا به، كان علي الوالي أن يمونهم من عنده بقدر سعته حتى يستغنوا".

وتعتمد الدولة لتحقيق هذا والتوازن على وسائل ثلاث:

1- الضرائب الثابتة في التشريع وهي الخمس والزكاة بأصنافها فيرتفع بالفقير الى



37



مستوى المعيشة في عصره كما عند سائر الناس وبما يتناسب مع الحجم العام للثروة ومستوى الرقي والرفاهية المتعارفة.

2- إيجاد القطاعات الانتاجية والخدماتية العامة التي تؤمن انفاقاً وتقديمات مناسبة.

3- التشريعات الاسلامية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية التي تساهم في إيجاد التوازن وحمايته. فمثلاً: تحريم الاكتناز للنقود وإلغاء الفائدة والاستثمارات الرأسمالية للثروات الطبيعية يقضي على الاحتكار والاخلال بالتوازن الاجتماعي، وأحكام الإرث تمنع تكديس الثروة وتعيد توزيعها على الأقرباء وبالتالي على الشرائح الاجتماعية المختلفة وهكذا...

ويبقى لتدخل الدولة وإشرافها على سائر الشؤون الحياتية أثر فاعل في تحقيق التوازن الاجتماعي وحمايته من الاختلال.



38








أسئلة حول الدرس



1- الضمان الاجتماعي من مسؤوليات الحكومة الاسلامية، ما هي الأسس التي يعتمد عليها هذا المبدأ؟
2- اشرح أهمية التوازن الاجتماعي والحقائق التي ينطلق منها الاسلام في معالجته لهذه المسألة؟
3- تحدث عن الوسائل التي تعتمدها الحكومة الاسلامية في تحقيق التوازن الاجتماعي؟






للمطالعة



عن حماد بن عيسى: إن الامام موسى بن جعفر عليه السلام قال وهو يتحدث عن نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل من الخمس: "إن الوالي يقسم بينهم على الكتاب والسنة، ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شي‏ء، فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم، كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به".

وكتب ابن قدامة يقول: قال الميموني: "ذاكرت أبا عبد الله فقلت: قد تكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة وهو فقير وتكون له أربعون شاة وتكون له الضيعة لا تكفيه فيعطي من الصدقة؟ قال: نعم، وذكر قول عمر أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا". وقال: في رواية محمد بن الحكم إذا كان له عقار يشغله أو ضيعة تساوي عشرة الاف أو أقل أو أكثر لا تقيمه يأخذ من الزكاة، وهذا قول الشافعي.

وقد فسر ابن قدامة ذلك بقوله: "لأن الحاجة هي الفقر والغنى ضدها فمن كان محتاجاً فهو فقير يدخل في عموم لنص ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة".

فهذه النصوص تأمر بإعطاء الزكاة وما إليها، إلى أن يلحق الفرد بالناس، أو الى أن يصبح غنياً، أو لإشباع حاجاته الأولية والثانوية من طعام وشراب وكسوة وزواج وصدقة وحج، على اختلاف التعابير التي وردت فيها، وكلها تستهدف غرضاً واحداً، وهو تعميم الغنى بمفهومه الاسلامي، وايجاد التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة.

(اقتصادنا 674-675)






هوامش



1- النساء:59.
2- الحشر:7.

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 08:42 AM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin