عرض مشاركة مفردة
قديم 05-11-2018, 05:07 PM
الصورة الرمزية لـ راهبة الدير
راهبة الدير راهبة الدير غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 38678

تاريخ التّسجيل: Mar 2007

المشاركات: 6,317

آخر تواجد: 12-02-2019 12:00 AM

الجنس:

الإقامة:

(72)

قالت لهُ : اين وصلنا في حديثنا ؟!
قال لها : وصلنا اذا ما قُمنا بأثارت الشك في عقولنا يجب ان يكون هذا الشك مُمنهج اي ـــ منهجي وليس مذهبي ـــــ والسبب في ذلك ، لأن الشك بنفسه مذموم ومنقصة ، وليس فضيلة ... ولكن هناك ايات كثيرة تدعو الى التفكير والتعقل والتدبير ، اليس في هذا دعوة الى الشك في ما نملك ، لأنهُ لا يُمكن ان نفكر او نتعقل او نتدبر في امر قد قطعنا بيقينه ؟!
قالت لهُ : هناك بعض المصطلحات يجب ان نتعرف عليها ، قبل الإجابة على السؤال وهو ان المنظومة المعرفية للإنسان من اين تأتي ؟!
اما من المحاكاة او التقليد او التقمص ..
فـ(المحاكاة) تعني ان يحاكي الإنسان بفعله أو بفكره أو مواقفه أفعال الآخرين أو أفكارهم أو مواقفهم وقد تكون تلك المحاكاة من غير اجتهاد انما مُجرد محاكاة الانا الاخر ، او يكون عن اجتهاد وإيمان ولا تكون مستندة إلى مجرد صدورها من الأنا الآخر بل تكون وراءها أدلتها وبراهينها .
اما (التقليد) فهو الاستناد إلى الغير في العمل أو العمل عن استناد إليه أو الالتزام بقول الغير، على الأقوال في حقيقته، فهو يستند إلى الغير ويذعن بالفكرة أو الرأي أو المسألة أو الموقف لأن الغير قد إرتآه وقاله لا عن برهان. وهنا التقليد أيضاً على قسمين: فقد يكون لا عن برهان على مرجعية المقلَّد وحجية أقواله فهذا هو التقليد المذموم قطعاً إذ لا حجة للمقلِّد حينئذٍ على الرأي والفكر والفتوى ولا على الرائي والمفكر والمفتي.وقد يكون عن برهان على مرجعية المقلَّد وذلك كتقليد أهل الخبرة فان البرهان دل على مرجعيتهم فيما هم خبراء فيه، وهذا التقليد ليس بمذموم لأنك وإن افتقدت الحجة على الفتوى والفكرة بذاتها لكنك لم تفتقد الحجة على المفتي والمفكر بمعنى ان يكون الدليل قد دلّك على ان قوله حجة إجمالاً وإن لم تعرف تفصيل وجوه التزامه بهذا الرأي أو ذاك .
واما (التقمُّص) فهو أشد عمقاً ورسوخاً من المحاكاة والتقليد، ذلك انه يعني ان يتقمص الشخص شخصية الآخر وان يتلبس بلباسه وان يستعير شخصيته مطلقاً أو في الجملة حتى يصير لكأنه هو هو، وبعبارة أخرى هو ذوبان الأنا في الأنا الآخر، وذلك يشكل أقصى درجات الانبهار به والاعتزاز والاعتداد والاعتقاد، و(التقمص) مرض نفسي إذ يفقد معه الإنسان حريته وإرادته، مطلقاً أو إلى حد بعيد جداً، فيصبح مثل المنوّم مغناطيسياً يتحرك وينطلق ويتخذ المواقف لا عن إرادة بل يسير كما يوجهه الآخر أو كما يعتقد هو ان الآخر كذلك. وللشخصية الأخرى التي تقمّصَتْها الأنا تأثير لا محدود على المتقمِّص حتى انه قد يتناقض مع ذاته إذا كان لتلك الشخصية موقف آخر أو رأي أو نمط آخر في الحياة، وكثيراً ما يحسم المتقمِّص الصراع لصالح الأنا الآخر، وقد يعيش اضطراباً نفسياً عنيفاً بين قناعاته الفطرية أو المكتسبة سابقاً وبين هيمنة الأنا – الآخر عليه.
وهذا هو بالضبط ما نجده في الكفار فانهم من جهة لم يكن أكثرهم مقلدين لآبائهم فحسب بل كانوا متقمصين لشخصياتهم تماماً إلى درجة ان عارضوا الحجج الجلية والبراهين الفطرية التي جاء بها الأنبياء إليهم فقالوا: (أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) مع أن أباءهم لو كانوا قد شاهدوا الأنبياء فلعلهم كانوا قد أذعنوا لهم وآمنوا بهم، وهكذا نجد انهم لم يكن رفضهم لحركة الأنبياء ورسالتهم مستنداً إلى دليل بل ولا حتى إلى تقليد للآباء فحسب بل كان انبهارهم بآبائهم إلى درجة أفقدتهم شخصياتهم الذاتية فتحولوا إلى تجسيد مشوّه لآبائهم الماضين وإلى نسخة أخرى تمشي على الأرض بعد موت الآباء والأجداد والأسلاف، ومن جهة أخرى، فان الكثير منهم عاشوا التناقض بين شخصياتهم المسحورة بالآباء والمندكّة فيهم وبين قوة براهين الأنبياء حججهم، لذا عانوا اضطراباً داخلياً عنيفاً، وهكذا وجدناهم يترنحون بين الشك والإنكار فهم شاكون كما يصرحون به أحياناً لكنهم في الوقت نفسه كفار رافضون، مع ان الشاك متحير وجاهل باعترافه فلا يحق له الكفر والرفض والإنكار بل غاية الأمر ان يقول: لا أدري أنك نبي أم لا؟ لا أن ينكر نبوته ويرفضها وكانّ عدمها من المسلّمات ، ولذلك كان القرآن يدعوهم للتفكير وللتدبير والتأمل ، فالتفكير والتدبر هو المفتاح لبوابة المحكاة او التقليد او التقمص المذموم من اجل الوصول الى نور الفطرة ، وتجدنا نحنُ الناس ايضا ما بين مُحاكي او مُقلّد او مُتقمص ، وقد يكون ذلك على وجه الحق او الباطل ، فلا بدّ من التفكير والتدبر .
قال لها : وكيف نستفاد نحنُ من هذه الدعوة القرآنية في التفكير والتدبير ؟!
قالت لهُ : نستفاد منها في عدة مواضع منها وكما بين المختصون فمثلا في أصول الدين " كلنا يعرف ان (أصول الدين) ولأنها الأساس لكل شيء وللحياة بكافة أبعادها، فانه لا يصح فيها إلا الاجتهاد والإذعان عن برهان ولا يكفي فيها التقليد أبداً، كما هو شِبه المجمع عليه، ، فكيف بالتقليد الأعمى النابع عن تقمص شخصية الأنا – الآخر؟ وذلك لأن التقليد حيث لم يكن عن برهان فانه ينهار عند الاصطدام ببيئة أخرى وأجواء أخرى أو آراء أخرى أو عند مواجهة أدلة أو حجج مضادة وإن كانت جدلية.وهذا ما نشاهده في الكثير من الشباب عندما يواجه اجواء حضارية اخرى غير حضارته او يقرأ او يسمع او يتحدث مع اخرين مُختلفين معهُ في العقيدة ، فانهم سرعان ما يذوبون في تلك الاجواء او يتسرب الشك اليهم بسرعة لضعف عقيدتهم ، ويفقدون دينهم ومعتقداتهم كاملة أو في الجملة، وما ذلك إلا لأحد أمرين: اما انهم كانوا مقلدين في قضايا أصول الدين لذلك انهاروا عند أول مواجهة مع أدلة اجتهادية مضادّة، واما انهم كانوا متقمصين لشخصيات أبهرتهم ، لكنهم بعد الاصطدام بتلك المعتقدات والرؤى تألّقت أمامهم شخصيات أخرى بدت لهم أشد بريقاً وعظمة، فانهم لا شعورياً يبدأوا بتقمص هذه الشخصيات الجديدة لتكون هي الأنا – الجديدة لهم.
قال لها : ولكن ما من مُسلم الا وهو مُحاكي او مُقلد او مُتقمص في غير اصول الدين ؟!
قالت لهُ : نعم ولكن قُلنا ان هناك جانب مذموم عندما يكون التقليد والتقمص لا على نحو الدليل والبرهان ، انما الانقياد الى الانا الاخر من دون دليل وبرهان ،
هذا من جهة، ومن جهة أخرى لابد من معرفة الفرق الجوهري بين الإسلام والاستسلام في هذه الحالة ، فان (الاستسلام) يستبطن وجود قوة قاهرة يخضع لها الإنسان لمجرد انها أقوى، لا لكونها حقاً أو أمراً برهانياً وإن كان قد يكون كذلك لكنه غير ملاحَظٍ في حيثية الاستسلام، تقول مثلاً: إستسلَمَ لسلطان الشهوة أو لسطوة المرأة أو استسلم للعدو أو حتى للنوم.
وفي المقابل فان (الإسلام) يعني الخلوص والخلو من الشوائب، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) ان تسلم وجهك لله (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) وقال: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) أي قالوا قولاً ليس في إثم ولا تعدٍّ، والمسلم هو السالم إيمانُه من الشرك والرياء والحسد والحقد ومن الفسق والفجور ومساوى الأخلاق، فهذا هو المسلم حقاً.
وقال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فقد أسلم أمره وأسلس قياده لله تعالى ليوجهه نحو مدارج الكمال والقُرب، وليكون بوصوله إلى أعلى مراتب الإسلام والتسليم إماماً (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
قال لها : اذكري لي امثلة عن الاستسلام .
الاستسلام أنواع وأقسام وألوان وأصناف، ومن بين تلك الانواع والتي وضحها المختصون :
" الاستسلام للحضارة المهيمنة.. وللحكام الطغاة.. وللقيادات الزائفة.. وللمفكرين المتذبذبين أو حتى للشخصيات المرموقة.
فـــ(الاستسلام للحضارة المهيمنة) لا شك ان الحضارة المهيمنة في عالم اليوم هي حضارة الغرب بما تمتلك من ثروات هائلة وتقدم علمي وتكنولوجي مبهر وقوة عسكرية ساحقة، ومن الطبيعي ان تجد الكثير من شبابنا بل حتى الكثير من مفكرينا (ينبهر) بالغرب ويخضع، فكرياً وسلوكياً، إلى هيمنته الطاغية هذا إن لم تصل درجة الخضوع والانبهار إلى مرحلة التقمص..
اما (سحر الموضة وسحر الأفكار الوافدة) وكما نجد الكثير من الشباب مسحوراً بالموضة وقد تكون مخالفة للفطرة مناقضة للذوق السليم كذلك تجد الكثير مسحوراً بالأفكار الوافدة، وما ذلك إلا للانبهار أو التقمص الذي يحوّل القبيح إلى حسن والمنكر إلى معروف وبالعكس فمثلاً تجدهم في ملابسهم مشدودين إلى آخر الموضات والتقليعات حتى تجد أحدهم يلبس ملابس ممزقة، بل انها إذا كانت جديدة فانه يمزقها كي يتناغم من الهيبز، أو يسرح شعر رأسه ويصففه بوضع الأصباغ وأنواع الصمغ كي يظهر كعُرف الديك مثلاً..، وكما تأسر موضة الأقوياء الشبابَ وتسحرهم، كذلك تأسر الأفكار الواردة من الغرب أو الشرق عقول بعض المفكرين فلا يعود يفكر بعقله بل يفكر وكأنه الأنا الآخر.والغريب أن الكثير منهم إذا استشهدت لهم بآية أو رواية لم تُقنِعْهُ، ولكنك إذا استشهدت بكلام فيلسوف غربي أو مفكر عالمي أو نجم من نجومهم فانه يرى ذلك سبباً كافياً للإذعان!بل الكثير من المتدينين تجده لا يكاد يقتنع بالآية والرواية حتى تشفعها له بما يقوله العلم الحديث أو الشخص الشخيص أو المجلة العلمية التخصصية أو شبه ذلك!.
أو (الاستسلام للخبراء في غير حقل تخصصهم)
وفي لون آخر من ألوان الاستسلام للأقوى نجد ان الكثير من الناس لا يميّزون بين المرجعية في حقل تخصصي معين والمرجعية في حقل آخر، فإذا برز اسم عالم كبير في الفيزياء أو الكيمياء أو شبه ذلك، كانشتاين أو ستيف هوكينج المعاصر مثلاً، فان كلماته سوف تتسم بطابع الحكمة والقوة والرصانة والحجية لدى الكثيرين منهم حتى إذا كانت في غير حقل تخصصه.ولذا نجد مثلاً كتاب هوكينج الذي أنكر فيه وجود الإله جل اسمه، أحدث هزة كبرى في العالم، مع انه من الناحية العلمية والاكاديمية، لا قيمة موضوعية له، وذلك لأنه متخصص في الفيزياء النظرية لا في الفلسفة والميتافيزيقيا، وإنكاره لله تعالى وإن اعتمد على سلسلة من المقدمات الفيزياوية، لكنه في مقدمة جوهرية يعتمد عليها البحث كله اعتمد على فكرة فلسفية واضحة البطلان لدى المبتدئ في علم الكلام أو الفلسفة فقد اعتمد من جهة على انه التفسير الأبسط ومن جهة على فكرة إمكان بدء الأشياء من كتم العدم بدون وجود علةٍ محدِثة. وهذه الفكرة بديهية البطلان عند الوجدان والعقل، كما برهن الحكماء والفلاسفة والمتكلمون على بطلانها بوجوه عديدة منها برهان إبطال الدور والتسلسل، لكن المنبهرين بالغرب أو بالأسماء اللامعة لا يميزون، كما سبق، بين كلام النجم في حقل اختصاصه وكلامه في سائر الحقول.وبعبارة أخرى: ان الأنا إذا ذابت في الأنا – الآخر فانها تقوم حينئذٍ بتذويب الحواجز العلمية والمعرفية بين حقل تخصصه وبين سائر الحقول، فترى الأنا – الآخر حينئذٍ بمنزلة العالم الخبير الضليع بكل علم وفنّ!
وكذلك (الرجوع للعلماء في كل شيء!) فان كثيراً من الناس يتصورون علماء الدين علماء في كل شيء ويتوقعون منهم الإجابة على كافة الأسئلة في كل العلوم والحقول، وذلك خطأ فاحش فإن العالم متخصص في الفقه والأصول والكلام مثلاً، لكنه ليس – عادة - متخصصاً في الطب والهندسة، فهل يصح ان نسأل منه مسائلنا الطبية والهندسية؟، وهذا ما يحدث عندما بعض العلماء ايضا ، عندما يطلب من مرجع ديني ان ينظم شؤون دولة ، وان يقوم بالتدخل في كل مفصل من مفاصلها ، وهو يعلم علم اليقين ان هذهِ ليست من مهام رَجُل الدين ، لأن رَجُل الدين عمله الارشاد والتبليغ والتوجيه وضمن نطاق تخصصه . والناس ايضا وبسبب هذا الخلط ، اصبحت تُريد تدخل رَجُل الدين وفتواه في كُل شيء ؟! ترى الفساد ، ترى السرقة ، ترى الكذب والخيانة ، ترى الانحطاط ، ولا تُحرك ساكناً ، بل ينتظرون رأي العالم الفلاني والمرجع الفلاني في ذلك ؟!
فهل يُعقل مثل هذه النماذج عندما يتعرض بيته للسرقة ، او تعرض اهله لمفسدة يأخذ الاذن ورأي العالم في الدفاع عن عرضه وشرفه ؟!
نعم هُناك امور مفصلية وقضايا كُبرى ، قد تحتاج الى ذلك ، ولكن الانقياد والتقليد في كُل شيء ليس من العقل والمنطق في شيء .
قال لها : وكيف يولد الشك يا ترى ؟!
قالت لهُ : الحديث طويل فيه ، قبل ان نُكمل ماذا تُريد ان اُحضّر لكَ قهوة ام عصير ؟!
قال لها مُبتسماً : قهوة افضل ، لأن العصير لن اخلص منهُ دائما موجود .

يُتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــع

التوقيع :












الرد مع إقتباس