عرض مشاركة مفردة
قديم 29-10-2018, 07:05 AM
الصورة الرمزية لـ راهبة الدير
راهبة الدير راهبة الدير غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 38678

تاريخ التّسجيل: Mar 2007

المشاركات: 6,320

آخر تواجد: بالأمس 11:42 PM

الجنس:

الإقامة:

(65)


قال لها :ماذا علينا ان نفعل في هذه الحالة ، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان المنظومة المعرفية قد تكون على حق او تكون على باطل او مزيج بينهما ؟! فالشك فيها قد يوصلنا الى الهاوية والى الانهيار المعرفي الذي نملكه اذا ما كُنا على حق ! واذا لم نشكك بما لدينا من معارف فقد تكون عن موروث او تقليد اعمى ، اذا ما كُنا على باطل ، والقرآن يدعو الناس الى التفكير والتأمل والتدبر ، واذا لم نشك ببعض ما عندنا لا نستطيع ان نُميز الغث من السمين ؟!





قالت لهُ : هناك الكثير من الجهات التي اتخذت الشك وسيلة للوصول الى اليقين ومنهم على سبيل المثال ديكارت من جهة الغرب والغزالي والجاحظ من جهة الشرق . فاعتبر مؤسس الفلسفة العقلانية رينيه ديكارت أن الشك هو المرحلة الأولى أو التأمل الأول أو الأساس الأول في الفلسفة، والشك يجعلنا نعتبر كل حكم (كأنه كاذب)، يجب التوقف عنده ودراسته لنصل إلى اليقين أو في الأقل لا نقع في الخطأ. وقرر ديكارت أن يرفض كل ماتعلَّمه في الماضي مستثنيا المنطق والهندسة والجبر فوضع مقولته المشهورة انا افكر اذن انا موجود وسبقه المفكر العربي الجاحظ في فلسفة الشك. فقد كان منهج الجاحظ في البحث العلمي آنذاك يقوم على الشك والتجربة، و كان الجاحظ يرفض قبول الفكرة دون مناقشتها والوقوف على صحتها. وكان يقول: "فاعرفْ مواضع الشك، وحالاتها الموجبة، لتعرف بها مواضع اليقين". أما أبو حامد الغزالي الملقب بحجة الأسلام فقد سبق هو الآخر ديكارت في فلسفة الشك ، فزعم أنه توصل إلى الحقيقة عن طريق الشك بعد أن درس الفلسفة اليونانية وعلم الكلام الإسلامي إلى أن وصل إلى مرحلة الصوفية فنظر إلى قواعد الشريعة الاسلامية نظرة شك مما أدى إلى معرفة الحقيقة الباطنة . كان الغزالي يشك بوجوده لولا أنه عاد إلى اليقين بقوله "أنا أرغب فأنا إذن موجود" مقابل قول ديكارت I am thinking, therefore I exist. ويتفق الغزالي وديكارت في فكرهما في الهدف من الشك، ذلك ان الشك عند كليهما لم يكن للهدم، وإنما كان وسيلة للمعرفة والوصول إلى الحقائق . وكان الشك عند الغزالي طريقا ليبلغ اليقين

فيقول في خاتمة كتابه: "ميزان العمل" أن "الشكوك هى الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقى فى العمى والضلالة". وفى كتابه: "المنقذ من الضلال" ينص قائلا: "أن العلم اليقينى هو الذى يكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب ولا يقارنه أمكان الغلط والوهم". أما عناصر القياس لهذا العلم اليقينى فهى الأمان والثقة. حيث كل "علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني".

ودخل الغزالي وفق منهجه العلمي الشكي الذي ارتأه في حالة سفسطة عجيبة قبل ان يصل الى اليقين ، حيث منهجه ادخله الى الشك بالمحسوسات وبالعقل وبالشرع ، ولقد اتخذ الغزالى "الشك" مذهباً ذهنياً له طالما لم يرثه عن أحد، ومن خلاله قد توصل إلى ضالته المنشودة. ولكن هذه الحقيقة لم يصلها الغزالى حسب قوله عبر العلوم الشرعية أو العقلية، بل أن الله قد بث فى صدره نور الحقيقة. هذا النور الإلهى الذى أفاض الله به عليه فانكشفت له البديهيات والحقائق الأولى، ورجع فى إيمانه فى المحسوسات والمعقولات، وانتهى دور الشك فيه. فذلك "النور هو مفتاح أكثر المعارف". ثم يستدل على جوهر هذا النور متمثلاً بالقرآن والحديث. يقول تعالى: "فمن يُرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام". ولما سئل رسول الله عن الشرح فى هذه الآية قال: "نور يقذفه الله فى القلب". فقيل وما علامته؟ قال: "التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود". فمن ذلك النور ينبغى أن يُطلَب الكشف، وهو ينبجس من الجود الإلهى فى بعض الأحايين، فيجب الترصد له كما قيل "أن لربكم فى أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها".إذا وصل الغزالى إلى اليقين عبر منًة من الله تعالى ، بزعمه .



ونجد انه حتى هولاء عندما جعلوا الشك مقدمة لليقين ، يرون ان الشك الذي يؤدي الى اليقين ليس كُل شك ، انما الشك المنهجي وليس المذهبي ، يُعرفه ذوي الاختصاص في ان الشك المنهجي هو شك مؤقت تمهيدا للوصول الى الحقائق اليقينة الثابتة ، اما الشك المذهبي هو الشك حبا بالشك والسعي وراء هدم أي حقيقة ممكنة وهو مذهبي لأنه يصبح مذهبا يتبناه المرء في كل عقائده .


قال لها : اذن الشك والتشكيك لا يُمكن احتكاره على فئة معينة ، فمثلا قد اطلب من الاخر ان يُشكك في ما يتبناه من عقيدة ، وفي الوقت الذي اطلب منهُ ذلك ، سأقول لهُ انا لن افعل ذلك لأني على حق ! فيجيبيني : وانا ايضا ارى نفسي على حق وأنتَ اراكَ على باطل ، فأنت عليك ان تشك بما عندك ؟!


قالت لهُ : قُلت لكَ في بداية حديثنا ان البحث عن الحقيقة يجب ان يكون مطلب ذاتي ، يطلبهُ ما بين الله ونفسه ، فهذا تكليف كل انسان من اجل تحقيق السلامة والنجاة في دار الاخرة ، فهذا يجب ان يكون الشغل الشاغل لكل مخلوق اذا ما عرفنا ان القاعدة الاساسية في الحياة ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) و (ويَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ) بعيدا عن الاخرين ، لأن كل انسان قادر على ان يُكذب على الاخرين ، لكنهُ ليس قادر على تكذيب نفسه ، او يخدع الله سبحانه ، واذا ما اخذهُ العناد والجدال والتماري والاصرار مع الطرف الاخر في انهُ على حق والاخر على باطل ، فهذهِ تكون غير موجودة مع نفسه ، نعم ـــ هناك صراع الهوى والنفس الامارة بالسوء ـــ لهذا قُلنا انه ُ علينا ان نعقد النية مع الله سبحانه من اجل التوفيق والسداد ، وهذا غير متوفر اذا ما عُقدت النية مع غيره ، عليه عندما يرى توجيه او دعوة للتفكير وليس الشك ، لأن التفكير اسلم من ظاهرة الشك ، ان يُفكر وطبعا اذا ما عرفنا ان هذا المنهج منهج الشك او التفكير قد يؤديه الذي لا يملك الحق وحتى الذي يملك الحق ، لهذا لم يُترك هكذا بدون شروط او تنظيم ، فكما قُلنا يجب ان يكون شك وتفكير منهجي وليس مذهبي وقد نأتي الى ذكرها اذا ما استمر حديثنا .


يُتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــع .

التوقيع :












الرد مع إقتباس