عرض مشاركة مفردة
قديم 28-10-2018, 05:01 PM
الصورة الرمزية لـ راهبة الدير
راهبة الدير راهبة الدير غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 38678

تاريخ التّسجيل: Mar 2007

المشاركات: 6,320

آخر تواجد: بالأمس 11:42 PM

الجنس:

الإقامة:

(64)
قال لها : بماذا تُفكرين ؟!
قالت لهُ : بأولئك الذين يقول احدهم للأخر دع عنك مُعتقدك ورأيك وفكر بمعتقدي ورأيي !
قال لها : وما المُستغرب في ذلك ؟!
قالت لهُ : كلاهما يطلب ذلك من الاخر ، ولا يطلب كلاهما ذلك ما بينه وبين نفسه بعيداً عن الاخر؟!
قال لها : اثمة فرق ؟!
قالت لهُ : ان نجاة النفس اولى من نجاة الاخرين ومُقدمة عليها ،فكُل انسان سيأتي بطوق نجاته بمعزل عن الاخرين ، فعليهِ ان يُحسن اختياره لأنهُ مسؤول عنه يوم يفرُ المرء من اخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه .
قال لها : الاقدام على هذا الامر ماذا يتطلّب ؟!
قالت لهُ : ان يكون باحثاً عن الحقيقة ، لا باحثاً عن الحقائق التي توافق هواه ، فعلى المرء ان لا يأخذهُ العجب والغرور بما عنده ، ويترك مجالاً ولو بقدر عقدة اصبع في التفكير بما عند الاخر المُخالف لهواه وميوله ، تخيل كأس مملوء بالعصير وارغب ان اضع فيهِ ماء هل من الممكن ذلك ، دون ان اقوم بأفراغ الكأس من العصير ؟! وكذلك كُل رأي ومُعتقد لا ينفذ للعقل اذا لم نسكب ولو قليلا من عصير الافكار التي ورثناها او قُمنا بتبنيها ، ونملئهُ بماء الاخرين من رأي ومعتقد.
قال لها : لِما يُفعل ذلك ، وكل شخص يرى ان الحق معه ؟!

قالت لهُ : وكيف يتم معرفة ان الحق معه ، اذا لم يؤدي تكليفه مع نفسه ؟!

قال لها : وما هو تكليفه ؟!

قالت له : ان يكون مُتعلماً في سبيل النجاة ، وان يعقد النية في ما بينه وبين الله سبحانه ويتوكل عليه في ما يُعرض عليه من حقائق ، طالباً منهُ التسديد والتصويب وصولاً للحقيقة ، وفي ظل الخلافات الفكرية السائدة هذه الأيام لا تعني عدم إمكان الوصول إلى الحقيقة؛ لأنّ الحقيقة لا يمكن الإشارة إليها باتفاق الناس، وإلا عُدنا إلى التقليد مجدّداً، فكم من الحقائق التي اختلف حولها الناس؟! وكم من باطل اتفقوا عليه؟! إذاً ينبغي بدل جعل الخلاف مبرّراً للشك أن نجعله مبرّراً للتفكير المضاعف.

قال لها : هل في كلامك دعوة مبطنة الى الشك والتشكيك بالمنظومة المعرفية التي يمتلكها كُل شخص ، ام هي دعوة الى التفكير ، لا ادري ؟!

قالت لهُ مبتسمة : سوف ندخل في موجة كلامية قد يطول فيها الحديث ، فالشك والتشكيك من الامراض المتفشية حاليا في مُجتمعاتنا ، وهي افة أصبحت تنخر عقول الشباب ، وتُمزق جسد الامة ، ولا يُمكن الإجابة على هكذا أسئلة بنعم او لا ، لأن الامر شائك ومتشعب .

قال لها : يروقني ان اسمع ، وقبل ذلك سأشتري ما يسد جوعنا وظمأنا ، لأننا اذا ما اخذنا الكلام لا نلتفت حتى الى الطعام والشراب ، واضاف مُبتسماً ..ولعلمي انكِ تنسين نفسك عندما تتحدثين .

اتى اليها مُسرعا وجلس ..
قالت لهُ : هل نبدأ الان بالحديث ؟!
قال لها : نعم ، قولي لي ما هو المعتقد ؟!
قالت له : لكل انسان عقيدة ، ويذكر ذي الاختصاص " ان هذه العقيدة مبنية على منظومة معرفية أي ان المعارف تتشكل عادة في شكل منظومات معرفية حتى تغدو كبنيان متكامل ، فكل ديانه او مُعتقد ( سواء كانت على حق او باطل ) هي عبارة عن مجموعة من القناعات أو المعتقدات أو القيم التي يترابط بعضها مع بعض على شكل بنيان معرفي، فكما نجد في الماديات ان للبيت بنياناً وهيكلية مترابطة بنحو ما، كذلك العلوم والمعارف وكما ان بعض اللبنات في الدار قد تكون هي الأساس للبناء كله نظراً لكونها هي البنية التحتية له، بينما لا يكون البعض الآخر كذلك، فكذلك بعض اللبنات في البناء المعرفي قد تكون جوهرية أساسية تبتني عليها المنظومة المعارفية كلها أو أقسام واسعة منها وبعضها ليس كذلك ، والشك والتشكيك في المنظومة المعرفية كثيراً ما يبدأ من استهداف لبنةٍ ومفردة معينة قد تكون هي نقطة الضعف في المنظومة كلها وقد يستدعي انهيار الاذعان أو الاعتقاد بهذه المفردة انهيار الاعتقاد بالمنظومة كلها، وفي المقابل قد لا تكون نقطة الضعف تلك أساسية ولا جوهرية وإنما يتوهم الشخص كونها كذلك فإذا شكك الفرد فيها فانه قد يسري تشكيكه إلى غيرها كما تسري النار في الهشيم وذلك سواءً كان شكه مبرراً أو لا"

قال لها : هل يُعقل ان بنيان او منظومة معرفية تنهار من شك او شبهة تلج روح الانسان مما يولد عنده حالة التزعزع وعدم الثقة بما كان يملك من منظومة معرفية ؟!

قالت لهُ : نعم ، لأن هذا الشك والشبهة يُصيب النقطة الأضعف في المنظومة المعرفية وعادة ما يتم تمثيل نقطة الضعف الجوهرية في البنيان المعرفي والتي تؤدي زعزعتها إلى زعزعة البنيان بأكمله، بكعب أخيل، من قبل ذي الاختصاص

" وأخيل (واسمه الكامـل اخيليس) حسبما تزعــم الأسطورة كــان ابناً للمــلك ميرميدون وكان بقربهم نهر يســمى (سيتكس) يزعمون انه يمتلك بعض الخواص الخارقة أو السحرية وهي ان الوليد لو غُمس في النهر فانه سيحصل على حصانة في مقابل الموت فلا يمكن للسهام أو السيوف أو الحروب أن تخترق بدنه، وسيكون الفارس البطل الذي لا يقهر ويكون من الخالدين! وعندما ولد أخيل حملته أمه فوراً إلى النهر السحري وغمسته في ماء النهر عارياً وهي ممسكة بكعب رجله فغمسته من رأسه في الماء إلى كامل بدنه لكنها غفلت عن ان المياه الخارقة لم تلامس كعبه الذي كانت ممسكة به، فكان كعبه هو نقطة الضعف الوحيدة في بدنه الجبّار.واشترك أخيل عندما كبر في حروب كثيرة وخرج منتصراً منها جميعاً، إلا انه في اخر معركة بين الاغريق والطرواديين أصاب سهم مسموم كعبَه فسري السهم إلى بدنه ومات.وهكذا أصبحت أسطورة كعب اخيل مثالاً رمزياً يراد به نقطة الضعف المميتة في أي بنيان ضخم محصن وقد يكون مدينة حصينة أو قد يكون منظومة علمية أو معرفية متكاملة. وكما يتسبب تحطيم هذه النقطة في أي بنيان ماديّة أو معرفي في تحطيم البنيان بأكمله كذلك يتسبب التشكيك فيه في التشكيك في البنيان المعرفي كله " مما يجعل المرء يترك دينه ومعتقده ويذهب بالاتجاه الاخر او يتبنى أفكار جديدة مُختلفة عن ما كان يعتقده.


يُتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــع.

التوقيع :












الرد مع إقتباس