عرض مشاركة مفردة
قديم 22-10-2018, 11:27 PM
الصورة الرمزية لـ راهبة الدير
راهبة الدير راهبة الدير غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 38678

تاريخ التّسجيل: Mar 2007

المشاركات: 6,330

آخر تواجد: بالأمس 06:44 AM

الجنس:

الإقامة:

(60)
قالت لهُ : مالي اراكَ مُشتت الذهن ، حيران ؟!
قال لها : الاختيار صعب في امرٍ ، احد الخيارين اقربُ لهوى نفسي ، والاخر اقربُ لهوى الله سبحانه .
قالت لهُ : هل يتأرجح الخيارين بين حقٍ وباطل ؟!
قال لها : يا ليت لو كان الحق والباطل واضحين لدرجة لا تقبل الشك في العديد من الامور ، عندها اختارُ الحق لا محالة ولكن في الكثير من الاحيان يمتزجان معاً فيصعب على المرء فصلهما ليختار احدهما .
قالت لهُ : خالف هواك ، فيفتح الله لكَ من امركَ طريقاً ، ويبسط لكَ من الهدايةِ نوراً.
قال لها : كيف ؟!
قالت لهُ : هذا جزاء من يتقي الله سبحانه في اختياره.
قال لها : وكيف تكون تقوى الله ؟!
قالت لهُ : التقوى كما يذكرها المختصون لُغة وشرعاً " توقّى واتّقى بمعنى (واحد)، وقد توقّيت واتّقيت الشي‏ء وتقيته وأتقيه وتقاء: حذّرته.. والاسم التقوى.. قوله تعالى: ﴿...هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ أي هو أهل أن يُتقى عقابه، وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته".
فالتقوى لغة تعني الحذر، فتقوى اللَّه تعني الحذر والخوف من اللَّه، والحذر من اللَّه يعني اتباع ما يرضيه واجتناب ما يسخطه، وهذه هي التقوى حسب المرتكزات الشرعية. عندها التقوى تعني أمرين‏ ، الأول: الاتيان بما يصلح الإنسان من خلال الإلتزام بأوامر اللَّه والثاني: الامتناع عما يضرّ الإنسان من خلال الانتهاء عن نواهي اللَّه ، وكلاهما يساعدان على بعضهم بعض، فكلما أطاع الإنسان اللَّه من حيث الأوامر كلما ساعده ذلك على الانتهاء عن النواهي، والعكس صحيح.

قال لها : ولكن الاختيار الاول اقرب لنفسي واميل أليه اكثر ، واجد صعوبة في تركه ، والثاني لا ارى فيه ذلك ؟!
قالت لهُ : صحيح هو اقرب لنفسك ، ولكن بعيد عن هوى الله ، لو كان لا يتعارض مع هوى الله لقلت لك خُذ به وفي الكثير من الايات دعوة الى ان يتقي المرء الله في ما يُعرض لهُ من امور حياته ويتحرز عند الاختيار ، فيقول:
﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ...﴾، ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
قال لها : خائفٌ ان أخسر ، ولن اصل الى مُبتغاي في الاختيار الثاني !
قالت لهُ : اعلم لن يخسر من عقد نية ان يختار هوى الله على هواه ، في اي أمر من امور حياته فهذا وعدهُ لهم ان يجعل لهم مخرجا ويُسرا وفرقاناً وغفران ذنوب فيقول :

‏‏‏﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏ ‏﴾
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)﴾
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾

﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

قال لها : ابحثُ عن الاطمئنان اكثر ..
ابتسمت لهُ وقالت : سأروي لكَ قصة قد سمعتها ..
قال لها مُبتسما : حديثني بقصتك ، فكلامك ينزل في القلب مثل نزول الغيث على صحراء قاحلة فيجعلها مُرجا اخضر .
قالت لهُ : يُحكى ان رجلاً غني جداً ليس له لا عائله ولا أولاد كان عنده مزرعة كبيرة ذات يوم ، دعا جميع العاملين عنده على العشاء في الفيلا، ووضع امام كل واحد منهم نسخه من القرآن ، ومبلغاً من المال ، وعندما انتهوا من الطعام سألهم ان يختاروا: إما القرآن أو مبلغ المال الموضوع بجواره ، بدأ أولا بحارس المزرعة وقال له أختر! أجاب الحارس بدون خجل:”اني كنت اتمنى أن اختار القرآن لكني لاأعرف القرأءة لذلك سأخذ المال فهو اكثر فائدة بالنسبه لي ” وأخذ المال، ثم سأل الفلاح الذي يشتغل عنده فقال له:اختار ؟؟ فقال له:” ان زوجتي مريضه جداً واحتاج للمال حتى اعالجها، ولولا هذا السبب كنت اخترت القرآن ” وأخذ المال ،بعدها سأل الطباخ عم يختار القرآن ام المال ؟ فقال له الطباخ إني أُحب القراءة لكني عندما أعمل لايبق عندي وقت للقراءة، لذلك سأختار المال ” واخذا المال .ولم يبق من العاملين الا الولد الذي يعمل سائساً للحيوانات في المزرعة فسأله عم يختار!وكان الرجل يعرف أن هذا الولد فقير جداً، وتابع بعد ان خيره بقوله له: ” أنا متأكد انك ستختارالمال حتى تشتري الطعام واحتياجاتك الضرورية يابني، ومنها أن تشتري حذاء بدلا من حذائك التالف هذا!!! فأجابه الولد: “صحيح ياسيدي انه مستحيل عندي ان اشتري حذاءً جديداً، أو أن أشتري دجاجة لأكلها مع أمي، ولكني ياسيدي سأختار القرآن لأن أمي قالت لي يوماً: ” إن كلمة من الله مفيده اكثر من الذهب، وطعمها أحلى من الشهد”فأخذ القرآن و فتحه ففوجىء بوجود ظرفين داخله، كان في الظرف الأول عشرة اضعاف المبلغ الذي كان موجوداً على طاولة الطعام! وفي الظرف الثاني وصية وفق الاصول بأنه سوف يكون هو الوارث الوحيد لمعلمه الغني .اندهش الجميع بمن فيهم الولد ولكن الرجل الغني معلمهم قطعوا اندهاشهم وقال لهم:" من يحسن الظن بالله فلا يخيب رجاءه.”
قال لها ضاحكاً : هذه قصة وانا اتكلم عن واقع ؟!
قالت لهُ مُبتسمة : هذهِ القصص تُحاكي الواقع الذي نسج ثوبه قول الرسول وأهل بيته
عن رسول الله "لو أن السماوات والأرض كانتا رتقا على عبد ثم اتقى الله لجعل الله منهما فرجا ومخرجاً". وقال"يا أيها الناس إتخذوا التقوى تجارة، يأتكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة"، ثم قرأ الآية: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) ، وقال : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، وشدائد يوم القيامة"
وعن الإمام علي : "من أخذ بالتقوى عزبت [بمعنى بعدت وغابت] عنه الشدائد بعد دنوها، واحلولت له الأمور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها، وأسهلت له الصعاب بعد إنصابها"
قال لها : وكيف اكون مُتقي ، اراها كلمة عظيمة قد لا ارتقي لها ؟!
قالت لهُ : أن الصفة العامة لأهل التقوى هي ان لا يجدك في مكان نهيه ، وان لا يخلو منك مكان طاعته ، ومن ذلك تتجلى في اهل التقوى كل المعاني الإنسانية والأخلاقية السامية كالصدق، والأمانة، والزهد، والتعلق بأهل البيت عليهم السلام، وولاية أحباء الله سبحانه. ففي الحديث عن الإمام الباقر في حديث مفصّل ومعبّر: "إن أهل التقوى هم الأغنياء، أغناهم القليل من الدنيا، فمؤنتهم يسيرة، إن نسيت الخير ذكروك، وإن عملت به أعانوك، أخروا شهواتهم ولذّاتهم خلفهم وقدموا طاعة ربهم أمامهم، ونظروا إلى سبيل الخير وإلى ولاية أحباء الله فأحبوهم، وتولوهم واتبعوهم"
وفي حديث آخر عنهُ : "إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها: وصدق الحديث وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد،... وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، واتّباع العلم فيما يقرب إلى الله عزّ وجلّ".
قال لها فرحاً وقد بدى عليه انجلاء ما كان يهمّهُ : ان من نَعم الله سبحانه على عباده ، ان يجد صوتاً حانياً يُعينهُ في أمر دنياه وآخرته.

التوقيع :












الرد مع إقتباس