عرض مشاركة مفردة
قديم 13-10-2018, 05:49 PM
الصورة الرمزية لـ راهبة الدير
راهبة الدير راهبة الدير غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 38678

تاريخ التّسجيل: Mar 2007

المشاركات: 6,320

آخر تواجد: 19-02-2019 11:42 PM

الجنس:

الإقامة:

(54)

قال لها : حلاوة ذكر الله متى تكون ؟!
قالت لهُ : اعذب حلاوة ولا تذهب نكهتها من فم الروح عند تقديم هوى الله سبحانه على هوى النفس .
قال لها : كيف تصفينها ؟!
قالت لهُ : يصعب وصفها لأنها حالة روحية لا يمكن للحروف الترابية ان تسجن بين طياتها الا بقدر ما تستطيع تلك الحروف ان تنسج من كلمات لأيصال المعاني ، فبقدر ما تشعر ان على انفاسك ثقل كثقل الجبال فتلتصق روحك بالارض لصعوبة ترك ما تهواه ، تشعر بعد تركها لوجه الله انك اصبحت اخف من النسمة فتلامس بروحك احضان السماء ، وتشعر بجيش من الاطمئنان والسلام القلبي ينزل في ساحة قلبك ، فلا يقوى بعدها اي سهم يُصوب باتجاه اراداتك ان يصل اليك ، وكأن هناك حاجز نوراني يردها بشهاب مبين .
قال لها : هل هذا سهل يسير ..
قالت لهُ : ليس صعبا ، تخيل انك في الجهاد الاصغر عدوك امامك وواضح ، وهناك من يساعدك عليهم ، اما في الجهاد الاكبر ، انتَ وحواسك وعدو غير ظاهر ، وهوى يتأرجح بين الحق والباطل ، لا يمكن ان تُميزه بوجود النفس الامارة بالسوء .
قال لها : صعب !
قالت لهُ : الطريق الواضح يحتاج الى توفيق من الله ، فيقول الامام زين العابدين في مناجاته في دعاء الصباح " اِلـهي اِنْ لَمْ تَبْتَدِئنِي الرَّحْمَةُ مِنْكَ بِحُسْنِ التَّوْفيقِ فَمَنِ السّالِكُ بي اِلَيْكَ في واضِحِ الطَّريقِ " فكيف لا نطلب التوفيق من الله في طريق غامض ومبهم عند محاربة الهوى فيقول " وَ اِنْ اَسْلَمَتْني اَناتُكَ لِقائِدِ الأَمَلِ وَالْمُنى فَمَنِ الْمُقيلُ عَثَراتي مِنْ كَبَواتِ الْهَوى ، وَ اِنْ خَذَلَني نَصْرُكَ عِنْدَ مُحارَبَةِ النَّفْسِ وَ الشَّيْطانِ ، فَقَدْ وَكَلَني خِذْلانُكَ إلى حَيْثُ النَّصَبُ وَ الْحِرْمانُ"
قال لها : وكيف يتم ذلك ؟!
قالت لهُ : كم يتحمل الشاب من تعب وجهد وطاقة من اجل ان يجمع مهراً من اجل الزواج ليحقق الاستقرار الدنيوي ؟!
فاذا ما علم ان مهر الجنة هو جهاد النفس كما يقول علي "جهاد النفس مهر الجنة" الا يستوجب منهُ ان يبذل جهداً ايضا ليحقق الاستقرار الأُخروي فالامام علي
يقول "إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها"،
ويبين الامام طريق الجهاد فيقول "جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدو عدوه، وغالبها مغالبة الضد ضده، فإن أقوى الناس من قوي على نفسه"وفي حديث المعراج ومن كلام الله سبحانه وتعالى لنبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم: "... يموت الناس مرة ويموت أحدهم كل يوم سبعين مرة من مجاهدة أنفسهم ومخالفة هواهم والشيطان الذي يجري في عروقهم" وعن الامام علي "جاهد شهوتك وغالب غضبك وخالف سوء عادتك تزك نفسك ويكمل عقلك وتستكمل ثواب ربك"
قال لها : وبعد ذلك ماذا يحدث ؟!
قالت لهُ : تستقبل روحك روضاتٍ يتأنق فيها عبير الطهر وصدق التقى ، وتلمح في كل لحظة جنينة حبّ وخير ، وتحملك اراجيح الضوء في شوظٍ بعيد ومجيد ، الى مدينة الله الفاضلة ، فيهيمن على المرء ادراك حقيقي يمزق الزمن المحسوب ليحلق خارج اطار الزمن ، ولحظة غير محسوبة تسقط فيها ، لتلمس حدودا باردة لاجسامنا الضئيلة امام العالم الكبير ، الذي يتفاعل داخل عالمنا الصغير هذا ، فيبدأ السلام يزحف زحف النور ، ويتقلص الظلام شيئا فشيئا ، وتشرق المحبة في افق الروح ، فاذا ما امتلأ ت بها اشرق الوجه ، واستبشر بالحياة بمرها وحلوها لأنها كلها محطات تدعو الى ذكر الله ، وبذكر الله تطمئن القلوب .
قال لها مُبتسماً : رغبتي بتذوق هذه الحلاوة ، لن اطلب اليوم منكِ حلاوة تسد جوعي ، لأني استشعر بجوع روحي اكثر ورغبتي بتذوق هذه الحلاوة ؟!
ولكن هل يمكنني تذوقها !
قالت لهُ مُبتسمة : سيمطرك الله حلاوة بحجم السماء ، كُن فقط مُلحاً بالدعاء .

التوقيع :












الرد مع إقتباس